التخطيط الحضري

هو علم هندسي  كبير يهتم بدراسة المدينة و أبعادها الإجتماعية و الإقتصادية و الزراعية و الصناعية , و أيضا أمنها المجتمعي و المائي و الغذائي , و يهتم بتوفير سبل الحياة الملائمة و الكريمة للناس اللذين يحيون فيها , و تخطط لمستقبلهم المدني بنحو واسع و كبير كذلك , مما يتيح لهم مستقبل أفضل , و يهتم بمعالجة مشاكل المدينة و يتوقع مشاكلها الحضرية المستقبلية و يحوال حلها مسبقا قبل وقعها و يخطط للمتوقع في مستقبلها بما يخدم سكانها , و يساعدهم على توفير إحتياجاتهم الحضرية , و منذ بداية نشوء المدن كانت نشئتها نشئة طبيعية و عفوية و كانت صيرورتها التوسعية بطيئة , و كان الناس  يفدون إلى المناطق التي تحوي على خدمات طبيعية مثل الأنهار و مصابها كالحضارات التي نشئت في بلاد الرافدين و وادي نهر الأردن , و كذلك وادي النيل و مصبه , لما تحمله تلك المناطق من أهمية للناس  لإحتوائها على الماء الصالح للشرب بشكل دائم و طوال العام , و لإحتوائها على الأسماك النهرية سهلة الصيد , و كذلك لما يحمله النهر معه من طمي يزيد من خصوبة الأرض و يساعد على الزراعة و ينميها , و كان الناس كذلك يقطنون ولو لمدة ما في مواطئ الرعي  لما فيها من أعشاب صالحة لرعي حيواناتها , و كذلك كانوا يتنقلون إلى أماكن الصيد و وفرة الحيوانات , فكانت تلك البدايات التي اكتنفها نشوء المدينة حول الأنهار و المراعي , و استمر نشوء المدن مبعثرا بدون أي تخطيط أو تمهيد لذلك الفعل , مع مرور الوقت و استمرار النمو العشوائي غير المنظم , و ظهور أماكن غير قابلة للحياة , و أو التنقل  و النمو , كان لزاما العمل على تنظيم المدن و نشوئها , و كان وجود التخطيط الحضري لزاما لإستمرار تطور الحياة المدنية فبدأت بوادر ظهور تخطيط المدن , و تنظيمها , و كان سبب ظهور هذا  المجال الحاجة الماسة للتنظيم المدن و تحسين حياتها , و قد يكون التخطيط الحضري سابقا , للنشوء المدن أو حتى بعد نشوئها , و توسعها و كبرها ؛ و هدف التخطيط هو   البحث عن حلول للمشاكل الظاهرة , و كذلك تضمن استمرارية حياة المدينة و توقف العشوائية بالبناء , و توفير  ظروف أفضل و أكثر صحية و أمننا لسكانها .

عند تنظيم المدينة كان لزاما على المنظمين أن يأخذوا بعين الإعتبار و قدر الإمكان العوامل المأثرة و المتأثرة بالمدينة , و منها سبل توفير الماء  و الكهرباء , و البنية التحتية للمواصلات العامة , وسبل توفيرها , و توفر البنية التحتية للنقل الخاص , و كذلك البنية التحتية للصرف الصحي , و أماكن بيع المواد الغذائية و عرضها , و الملابس  و مختلف السلع التي تضمن سير الحياة المدنية , و توفير أماكن التعليم من الحضانات و المدارس الإبتدائية و الأساسية و الثانوية , و المعاهد التعليمة و التدريبية , بل حتى الجامعات , و أماكن الرعاية الصحية من مراكز صحية و مستوصفات و مستشفيات للقيام على رعاية الناس و تطبيبهم و مداواتهم و ووجود الصيدليات , و كذلك لابد من وجدو مساحات خضراء في المدينة للمحافظة على الجو الصحي ,

و كذلك المحافظة على البئية الطبيعية و تنميتها , و أستدامتها , و كذلك نحن أمام احتياج مهم للناس , و هو أماكن للترويح عن النفس , مثل الحدائق و الملاعب و أماكن السباحة و الركض كذلك , و غيرها , فالهيئة التي تريد أن تقوم بعمل تنظيم و تطوير و تخطيط حضري عليها أن تتعامل مع عدد لا نهائية من العوامل , و عليها أن لا تغفل عن العامل الأهم و هو الإنسان , و هو محور كل شيء , فعليها بهذا التخطيط ان تراعي إنسانيته و كينونته المتفردة , و خصوصيته و عاداته و تقاليده , و حاجياته الروحية و النفسية قبل حاجياته المادية فبذلك تكون العملية أكثر شمولية في عملها و أكبر في قدرها فتكون بتخطيطها قد خاطبت كافة العوامل الإنسانية و أدت كافة الإنجازات المادية .

ويقوم التخطيط و التنظيم الحضري على توجيه النمو الإنساني بالإتاجاهات التي  تحقق النمو الإجتماعي المناسب للمدينة , و كذلك تساعد في استخدام الواقع الجغرافي للبناء المدني , و أخذه في عين الإعتبار طبوغرافية الأرض , و موقعها بالنسبة لمحيطها , و كذلك بالنسبة للطبيعة حيث يحلاحظ قرب وجود الأنهار أو البحيرات أو البحار أو المحيطات , و كذلك وجود الغبابات و الجبال أو الوديان متعذرة البناء فيها, لأن تلك العوامل تحد أو تمد المجال الإنشائي , فأنها إما تعطيه المجال المناسب للتوسع و التمدد , و إما تعذر ذلك التمدد و تقوضه , فلذلك إختيار مكان المدينة المراد إنشائها أمر في غاية الأهمية , لأنه حتما سيأطر المدينة و يحدد أماكن نموها ؛ تقليل أو توسيعا , فدائما ما كانت التضاريس الأرض تشكل عائق للعمران , مثل وجود البحر حيث يشكل البحر حاجزا للمدينة للتمدد بهذا الإتجاه , و يحدد من أماكن التمدد بإتجاه البحر , و كذلك يفعل النهر حيث يعيق التمدد بشكل و إن كان بشكل أقل , لكنه يقطع أوصال المدينة و يكون النهر حائل من الولوج بسهولة من مكان إلى مكان آخر فيها , و قد يشكل هذا العائق المائي صعوبة في حماية أطراف المدينة, و كذلك تفعل الغابات , إذ تعيق الغابات تمدد المدينة على حساب الغابة لما للغابة من أهمية قصوى , و الحفاظ عليها من أولى أوليات الإنسانية لما توفره من هواء نقي , و تحافظ على المناخ العالمي , و تخفظ من الإحترار العالمي , وتقلل من إنبعاثات غازات الكلوروفلوروكربون , وغيرها , و يعزز هذا الغطاء الأخضر الحفاظ على طبقة الأوزون , و كذلك تساعد في الحفاظ على الحياة البيئية بما تحتويه من أشجار و نبات مختلفة , و كذلك من حشرات و حيوانات متنوعة , و بعد بداية الثورة الصناعية , و بداية القرن العشرين بدأ ظهور المدن الكبيرة ,  ونموها و مع مرور الوقت توسعت هذه المدن بسبب ظهور الخدمات و الأعمال و المصانع و مراكز السلطة فيها , فكان لابد للدول و سكان تلك المدن أن يلتفتوا إلى ما يصلح حالهم و يقيم دنياهم , ليحسنوا مستوى معيشتهم , ويعززوا رفاههم , و كانت من أكبر مشاكل الظاهرة في المدن في القرون التاسعة عشر و العشرون هي مشاكل الصرف الصحي و تصريف المياه بشكل عام و تصريف مياه الأمطار , و بدأت الحاجة الشديدة لأنظمة الصرف الصحي  , و ظهرت الحاجة إلى تعبيد الطرق بشكل أفضل مما كان عليه الأمر في وقت الخيول و العربات ؛ مع بداية ظهور السيارات , و كذلك بدأ ظهور الأحياء العشوائية حوالي المدن المكتظة بالسكان , و هم غالبا ممن وفد من الصحاري و الأرياف ليلتحق بركب المدينة, فلم يجدوا مكانا مناسبا ما داخل المدينة , و هذا مرجوعه إما إلى غلاء أسعار السكنى و المعيشة داخل مراكز المدن , أو مرجعه إلى أسباب ثقافية و اجتماعية للقادمين الجدد ,  و يقد يكون سببه شعور داخلي لدى الناس أن انتقالهم للمدن ما هو إلا ظرف آني و أنه في مرحلة خارجة عن أصل حالهم و مكان سكناهم , فيفضلون السكن بمساكن مؤقتة و أماكنة بعيدة عن مراكز المدن , و قد يكون مرجوعه صعوبة الإندامج داخل المدينة من قبل القادمين الجدد إليها , أو نشوء حالة ما من العنصرية أو طبقية بين السابقين القادمين إلى المدينة و الذين أتوا بعدهم , أو ظهور مجاعات أو حروب  أو ظواهر و كوارث طبيعية أدت إلى أشكال معينة من النزوح أو اللجوء , و قد كان مجل تلك الأسباب هو شعور القاطن الحديث في تلك البقعة بآنية السكنى فيها , وقد حدث خلاف ذلك الأمر و تحول الآني إلى سرمدي , و تحولت الرحلة إلى استقرار , و عليه يظن أن أول الطرق أمام حل معضلة ما هو السبر الحقيقي و التعرف الأكمل على العوامل و الظروف التي أدت إليها , و نلخصها بالفجوة الثقافية , و غلاء المعيشة , و الظن بآنية الإقامة لا ديمومتها , و من مشاكل المدن أيضا هو حاجتها الدائمة و المستمرة من إمدادات الطاقة وقبل اكتشاف الكهرباء و كانت الحاجة ماسة إلى الزيت الذي يسرج في مصابيح البيوت و الطرقات و كذلك عند ظهور النفط و التعامل معه, و مع انتشار الكهرباء ظهرت الحاجة إلى إنشاء محطات توليد الكهرباء في المدن الكبرى , و كانت هذه المحطات تسبب مشاكل للمقيمن في المدن من ما تنفثه من غازات و أدخن نتيجة إحراق الوقود الأحفوري لإستهلاك الطاقة الناتجة من الإحتراق لتوليد الكهرباء و كان الوقود الأحفوري و للآن يستخدم بكافة  بأنواعه المختلفة لإنتاج الكهرباء مثل الفحم الحجري أو النفط أو الغاز الطبيعي أو الصخر الزيتي و الرمل النفطي  , و كلها تشكل خطرا محدقا على البيئة , و كذلك على صحة الإنسان , إذ تسبب تلك الغازات الصاعدة من مداخن المصانع و محطات توليد الكهرباء عدد لا يحصى من الأمراض للبشر و تدمر البيئة , وكذلك تسبب تلك المحطات خطرا على حيوات الأفراد إذا ما اقتربوا منها أو حصل بها خلل ما , فكان نقلها خارج المدن ضرورة ملحة , ومن مشاكل المدن هو إحتياجها الدائم للإمدادات المأن و الأطعمة , فنقص  وجودها أو ضعف الإمدادات قد يشكل عقبة كأداء لديها , خاصة بعد أن ابتعدت المدن الكبيرة عن الزراعة و اتجهت بإتجاه الخدمات و الصناعة ,و من المشاكل كذلك هو توفير الماء للمدن التي لا تتوفر فيها مصادر جارية و مباشرة للماء مثل الأنهار و البحيرات , و عدم وجود مياه جوفية , أو وجود مدينة فيها شح الماء و مصادره , فتحاول المدن دائما بناء شبكة مياه قليلة التسريب , و إنشاء محطات تحلية و تنقية للماء , و محطات ضخ له, و مع هذا تحتاج المدن إلى نظام حماية ضدد المهاجمين أو اللصوص و المحاربين , و أيضا تواجه المدينة أخطارا أقل من قبل الحيوانات المفترسة و الكبيرة , فمشاكل المدن أكثر من أن تعد , لما لها من ارتباطات هندسية و اجتماعية و قانونية و فلسفية و غيرها ,و لهذا تواجه المدن قبل نشوئها و أثناء  وجودها مشاكل كثيرة تحتاج إلى العمل الدؤوب و التخطيط الدائم و الإستشراف الصائب , و عليه يحتاج إلى تخطيط قويم لتلك المدن , فهناك عدة نظريات و عدة طرق و مدارس لتنظيم المدن و منها ما يدعو إلى النمو العامودي و منها ما يدعو إلى النمو الأفقي, و غيرها , ,,

المدن الواسعة و الممتدة ؛ فرانك لويد :

و تعتمد هذه الفكرة على توزيع الخدمات العامة مثل المتاجر و الحدائق و محطات تعبئة الوقود و السكنات و في كل ربوع المدينة , و خاصة على نواحي و امتداد الطرق الرئيسة , و يقترح أن كل مجمع سكني يكون بمساحة 10 كيلو متر مربع و يتوزع في كل مجمع سكني 1400 نسمة فيها , و عليه توزع مساحات الأرض نسبة لأفراد العائلة فتحصل مثلا العائلة الصغيرة على خمسة آلف متر مربع , والأسرة  الكبيرة تحصل على أربعين ألفا من الأمتار المربعة و هكذا نسبة و تناسب بين مساحة المجمع السكني و عدد السكان , و يعتقد أيضا أن الكثافة السكانية يجب أن تقل طرديا مع عامل البعد عن المركز , حيث يقترح أن يكون الثقل السكاني و الكثافة البشرية في مركز المدينة , و تقل تدريجا مع البعد عنها و يقترح كذلك أن يكون التوسع البنائي للمدينة أفقيا لا عاموديا و تسهل العقبات أما التوسع الأفقي .

المدن المنتشرة ؛ لويد بردوين :

اقترح نظام الوحدات المتوزعة المكتفية خدميا , حيث اقترح أن تتوزع الخدمات بشكل كامل بين مجموعة الوحدات الكوكبية و لا تتركز في نقطة ما , و كذلك توزع المراكز المهمة في المدينة مثل مراكز الحكم و الإدارة و الجامعات و المصانع في المناطق الأكثر ملائمة بينها , و يكون بين كل كوكب و كوكب مسافة مقدرة , و يربط بين كل تلك الوحدات شبكة طرق قوية و مممتاز تسهل التنقل , و الحركة بين كل تلك المجموعات , مما يغني السكان عن مركز المدينة القديمة وخدماتها , و كذلك يحتاج في هذه المدينة شبكة طرق قوية و ممتاز , و واسعة لتسهل التنقل  بدون أدنى صعوبة أو عائق أو أزمة مرورية خانقة , وهذه الشبكة من الطرق عالية الكفاءة تساهم في توزيع المراكز , و عدم تركز الخدمات في منطقة مخدومة عن غيرها .

المدن الطولية :

المدن الطولية أو الشريطية هي مدن تتوزع على طول الطريق الرئيس بحيث لايوجد تكتل في المدينة , بل تتوزع الخدمات و السكنات على طول الطريق العام أو الرئيس , و من أبرز تلك المدن المتوزعة بشكل طولي هي مدينة الفولغوغراد هي مدينة شريطية على طول نهر الفولغا , و تتوزع خدماتها على طول ذلك النهر الطويل, وتكون المصانع و الموانئ و الخدمات التجارية و الحدائق و المدارس  والطرق , كلها واقعة على طول نهر الفولغا , فأكتسبت المدينة أهمية على مدار العصور , فتمتد المدينة على طول خمسين كيلو متر تقريبا على الضفة اليمنى لنهر الفولغا , فأكسبها أهمية صناعية و استراتيجية كبيرة .

المدن الحدائقية:

و هي فكرة نشئت و طورت في القرن التاسع عشر في طورها المعماري البريطاني إبنيزر هوارد في عام 1898 , حيث تتحدث الفكرة عن مدينة واسعة المساحة , وقليلة السكان و كثيرة الشجر , و وضعة هوارد افتراضا لمدينة فضلى بمساحة خمسة وعشرين كيلو متر مربع , و  عدد أعضائها اثنين وثلاثين ألف نفس , و يكون مركزها حديقة عامة و واسعة , و تتوزع الأشجار بين كل تلك الأبنية , يفصل بينها حدائق واسعة  و مفتوحة المساحة للجميع و تتوزع المدينة على ست حلقات كل حلقة يحيط بها شارع دائري كل شارع عرضه قرابة الأربعين مترا , و تكون مكتفية بكل الخدمات و الإحتياجات و عندما يزدادا عدد السكان عن السقف المحدود تنشئ مدينة أخرى , و هكذا , و تكون هذه المدن مرتبطة ببعضها البعض بسكة حديد , وتكون هذه المدن متحلقة حول مدينة مركزية يكون تعداد سكانها قرابة الخمسين ألفا, كان هذا التنظيم بنظر هوارد حلا ثالثا لأمر بين خياريين أحلاهما مر حيث يكون الأول مدينة ملوثة مكتظة كثيفة السكان كثيرة الدخان ,  قليلة الأشجار و الجنان , متنوعة الخدمات , و الثاني هو الريف الجميل الهادئ قليل السكان عليل الهواء , معدوم الخدمات , فكلا الخيارين لا يحققان ما يصبوا إليه الأنسان في حياته فحاول المزج ظانا بين الإثينين أنه يحقق الأفضل في ذلك .

شاهد أيضاً

كتاب التخطيط الحضري

التخطيط الحضريتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.