الإنسان مقابل الآلة.. هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع علمًا؟

أحدث تعلم الآلة machine learning على مدى العقود القليلة الماضية ثورةً في العديد من قطاعات المجتمع، إذ تعلمت الآلات قيادة السيارات والكشف عن الأورام ولعب الشطرنج، وتتفوق غالبًا على البشر.

أوضح فريق من العلماء من معهد أوكيناوا للدراسات العليا في العلوم والتكنولوجيا وجامعة ميونيخ والمجلس الوطني للبحث العلمي في جامعة بوردو، أن الآلات يمكنها أيضًا أن تتفوق على علماء الفيزياء النظرية، فهي تحل المشاكل المعقدة بنفس القدر من الدقة الذي يستطيعه العلماء، وبسرعة أكبر.

وفق الدراسة المنشورة حديثًا، تعلّمت آلة تحديد المراحل المغناطيسية غير العادية في نموذج من البيروكلور pyrochlore، وهو معدن يوجد طبيعيًّا في هيكل شبكي رباعي الأوجه. لم يستغرق حل هذه المسألة سوى بضعة أسابيع، في حين احتاج علماء معهد أوكيناوا OIST إلى 6 أعوام لحل المعضلة ذاتها.

قال البروفسور نيك شانون Nic Shannon، مدير وحدة نظريات المادة الكمومية TQM في أوكيناوا: «تبدو خطوةً هامةً حقًّا، إن أجهزة الكمبيوتر تستطيع الآن ممارسة العلوم بطريقة مفيدة جدًّا، ومعالجة المشاكل التي أحبطت العلماء فترةً طويلة».

مصدر الإحباط
في أي مغناطيس، ترتبط كل ذرة بعزم مغناطيسي ضئيل، يُعرف باسم الدورة spin. في المغناطيسات التقليدية مثل التي تلتصق بالثلاجات، تُرتب جميع الدورات لتشير إلى نفس الاتجاه، ما يؤدي إلى مجال مغناطيسي قوي، ويشبه هذا الترتيب طريقة ترتب الذرات في المادة الصلبة.

ولكن كما قد توجد المادة في صور مختلفة -صلبة وسائلة وغازية- توجد كذلك المواد المغناطيسية، تهتم وحدة نظريات المادة الكمومية TQM بمراحل مغناطيسية غير عادية تسمى سوائل الدوران spin liquids التي ربما لها استخدامات في حساب الكم. تحدث تفاعلات منافسة أو محبطة في سوائل الدوران بين الدورات، لذا فقد تتذبذب الدورات باستمرار في الاتجاه نفسه بدلًا من ترتبها، وهو ما يشبه الاضطراب الحادث في المادة السائلة.

وُضعت وحدة نظريات المادة الكمومية سابقًا لتحديد الأنواع المختلفة من سائل الدوران الذي قد يوجد في مغناطيسات البيروكلور المحبطة. وقد أنشأوا الرسم البياني للطور phase diagram، الذي يوضح كيفية حدوث الأطوار المختلفة كلما تفاعلت الدورات بطرق مختلفة مع تغير درجة الحرارة، ونُشرت النتائج سنة 2017.

لكن كان تجميع الرسوم البيانية وتحديد القواعد التي تنظم التفاعلات بين الدورات في كل طور عمليةً شاقة.

وقال شانون مازحًا: «هذه المغناطيسات مُحبِطة بكل معنى الكلمة، لقد استغرق الفريق سنوات لحل أبسط نموذج على نظام البيروكلور الشبكي».

دخول الآلات
كانت وحدة نظرية المادة الكمومية TQM فضولية بشأن التقدم المتزايد في تعلم الآلة، فقد تكون الآلات قادرة على حل مثل هذه المسألة المعقدة.

وقال البروفسور شانون «لأكون صادقًا، كنت واثقًا أن الآلة ستفشل، تلك المرة الأولى التي أُصدم فيها بنتيجة الآلة، وكنت سعيدًا بذلك».

تعاون علماء المعهد مع خبراء في تعلم الآلة من جامعة ميونيخ بقيادة البروفيسور لود بوليت Lode Pollet، الذي طوَّر نواةً موترة tensorial kernel، وهي طريقة لتمثيل أشكال الدوران في جهاز الحاسوب. واستخدم العلماء النواة لتجهيز جهاز ناقل للدعم support vector machine يصنف البيانات المعقدة إلى مجموعات مختلفة.

وصرح الدكتور لودوفيك جوبرت الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي في جامعة بوردو: «ميزة هذا النوع من الأجهزة أنه على عكس الأجهزة ناقلة الدعم الأخرى، لا يتطلب أي تدريب سابق ولا يُعَد صندوقًا أسود، بل يمكنه تفسير النتائج. ولا يصنف البيانات إلى مجموعات فحسب، بل يمكنك أيضًا استجواب الآلة لمعرفة كيف اتخذت قرارها النهائي وحددت الخصائص المميزة لكل مجموعة».

أمد علماء ميونيخ الآلة بربع مليون من تكوينات الدوران تولدها محاكاة الحاسوب الفائق لنموذج البيروكلور في معهد أوكيناوا، دون أي معلومات حول الأطوار الموجودة، وقد نجحت الآلة في إعادة إنتاج نسخة مطابقة من رسم الطور البياني الذي أنتجه العلماء سابقًا.

وأهم من ذلك أنه عندما فك العلماء شفرة دالة القرار decision function التي أنشأتها الآلة لتصنيف الأنواع المختلفة من سوائل الدوارن، وجدوا أن الحاسوب قد فهم أيضًا المعادلات الرياضية الدقيقة التي تمثل كل طور مستقل، وتستغرق العملية بأكملها نحو أسبوع.

قال البروفسور بولت: «أكثر ذلك الوقت كان بشريًّا، لذا فإن زيادة السرعة ما زالت ممكنة، واستنادًا إلى ما نعرفه الآن، تستطيع الآلة حل المسألة في يوم واحد».

وأضاف البروفيسور شانون: «نحن سعداء بهذا النجاح الذي توصلت إليه الآلة، الذي قد تكون له آثار كبيرة على الفيزياء النظرية. الخطوة التالية إعطاء الآلة مسألة أكثر صعوبة لم يتمكن البشر من حلها بعد، ومعرفة ما إذا كان بإمكان الآلة أن تحقق ما هو أفضل».

المصدر: موقع أنا أصدق العلم

شاهد أيضاً

كيف تستخدم المطارات الذكاء الاصطناعي لتسريع الرحلات؟

تكافح المطارات في أنحاء العالم لمواكبة ارتفاع أعداد المسافرين، مع توقعات بأن تصل إلى أكثر …